الملتقى السنوي بالعربي، الفعالية السنوية المقامة في الدوحة، قطر
تعّرفعلى تجارب مؤثرة لمتحدثين أسهموا في صناعة التغيير، واستلهم من قصصهم وأفكارهم.
ملتقى "بالعربي" الذي يعقد في الدوحة في شهر أبريل من كل عام، هي المنصة التي يقدم عليها 16 متحدثًا أفكارهم الملهمة.
هل تملك قصة ملهمة تستحق المشاركة مع العالم؟ أو فكرة إبداعية قادرة على صناعة التغيير؟
انضم إلينا في تشكيل مستقبل الإبداع العربي
في الدوحة، حيث ترتدي الأصالة حلّة المعاصرة، أطلقت مبادرة "بالعربي" التابعة لمؤسسة قطر، قمّتها الافتتاحية في أبريل الماضي، فأنارت الأفق الثقافي العربي بلقاء جمع أكثر من 800 مشارك، من الخليج إلى المحيط، تحت شعار بسيط في لفظه، عميق في معناه: "للأفكار صوتٌ وصدى".
شهدت قمّة "بالعربي"، المبادرة التي أطلقتها مؤسسة قطر، ما يزيد على 20 محاضرة و12 ورشة عمل، تناول فيها المتحدثون قضايا ملحّة تراوحت بين الاستدامة، والذكاء الاصطناعي، والطب، والبرمجة، والفنون، وعلوم الفضاء. وسط هذا الزخم الفكري، كان للثقافة والموسيقى موعدٌ خاص، فتحوّل الصوت إلى جسر يعبر القارات، والنّغم إلى لغة عالمية تفهمها القلوب قبل العقول.
هنا لم تكن الموسيقى مجرد أنغامٍ، بل كانت صوت أمّة ونبضها الذي يحكي قصص شعوب عريقة، ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ. وهنا لم يكن الفن مجرد لوحة تُعلّق أو لحنًا يتردّد في الأثير، وإنما كان روح الأمّة العربية وذاكرتها المتجدّدة التي تحمل في طياتها عبق الماضي، وتطلعات الحاضر، واستشراف المستقبل.
في قاعة هادئة يخترقها صوت العود بنغمة شرقية أصيلة، افتُتِح الحدث على مسرح قمّة "بالعربي" بصوت الفنّان التونسي الكبير لطفي بوشناق، الذي كان يغنّي بقدر ما كان يستدعي الذاكرة، ويستحضر الوجدان، ويلبّي نداء الهوية. قالها بوضوح: "أنا العربي آخر من سيبقى، ليشهد في الحياة على الحياة".
قالها مغنّيًا، لا ليروي حنينًا، بل ليبعث هويةً، ويوصل رسالةً مفادها أن الأمّة مهما تفرّقت راياتها، تتوحّد حين تُنشد بالعربية. وفي حضرته، شعر الجالسون في القاعة أن كل نغمة تلامس العقل وتحرّك الوجدان.
ولم يكن وحده في هذه المهمّة؛ فعلى مدار يومين، توالى مبدعون عرب من مجالات متعدّدة، التقوا على منصّة جمعت الفن والموسيقى والسرد والتراث، ليعيدوا تشكيل علاقة الفرد بلغته، وهويته، وتاريخه.
ثمّ أطل المهندس والمدوّن اليمني فداء الدين يحيى حاملًا حقيبةً من الحكايات في جلسة "هل تُترجم الهوية"؛ فأخذنا في رحلة سردية آسرة، تناول فيها قضايا تاريخية واجتماعية عميقة بأسلوب مشوق ومؤثّر. لم يكن يحاضر، وإنما كان يُنصت لتاريخٍ يتحدّث على لسانه، لا بلغة الوقائع، بل بلغة الناس.
أكّد فداء الدين على أن القصص ذاكرة الشعوب؛ إن لم نكتبها نحن، كتبها غيرنا بأقلامٍ لا تُشبهنا، وقال: "حين يتم تفريغ أي مجموعة حضارية من لغتها وثقافتها، تفقد اللغة دلالتها وتأثيرها وفاعليتها وسطوتها".
استطاع أن يلقي الضوء على جوانب من التاريخ العربي والإنساني، أثارت الفكر وأيقظت الاعتزاز بالهوية، ونسج مشاهد حيّة جعلت الحضور يبتسمون، ثم يتأملون، ثم يتساءلون: من نحن؟ وما الذي بقي منّا؟
جاء الموسيقار المصري الدكتور مصطفى سعيد، ليقود الحضور في رحلة عذبة بعنوان "النغم هوية"، كشف فيها العلاقة الوثيقة بين النغم العربي وقواعد اللغة والرياضيات وأوزان الشعر. وقدّم عرضًا موسيقيًا لم يكن تقليديًا، وإنما كان درسًا في علم الجمال.
قال: "تراثنا ليس متحفًا نحفظه، بل دعامة نرتكز عليها لصياغة مستقبل أدبي وفني فريد، تُولد فيه الألحان كإبداع أصيل، لا استنساخًا للقديم ولا تقليدًا للأجنبي". كما أكّد أنّنا "لن نتطوّر إلا إذا قرأنا تاريخنا قراءةً تأخذ من الماضي طريقًا للمستقبل؛ هذه هي القراءة التي تمكّننا من النهضة والتطوّر علمًا وعملًا".
ووجّه دعوةً واضحةً بأن الموسيقى العربية لا تنهض إلا إذا دُرست بلغتنا، وفُهِمت بوجداننا، واستُلهمت من تلاواتنا وأفراحنا، مؤكدًا أن الموسيقى الفصحى ليست خيالًا أو تراثًا يحفظ في المتاحف، بل هي ضرورة حضارية.
كما برزتْ الأكاديمية شوق العلوي، المتخصّصة في الفنون والدراسات الثقافية، في كلمتها بعنوان "الحِرف هوية"، لتروي حكايةً مختلفة عن الحِرَف النسوية في الخليج، كهوية وصوت اجتماعي لا يقل عن القصيدة واللحن. حيث قدّمت عرضًا مميزًا حول حكاية الحياكة، مستعرضة دور النساء في الحفاظ على التراث وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة معاصرة.
وبشغف الباحثة وحس الفنّانة، أكّدت ألا يستحضر في المناسبات الوطنية، بل هو هوية وأداة تغيير، ومحرّك حوار، وأن الحكايات والمرويات غير المروية جزء من ذاكرتنا الجماعية. وأضافت: "إن تدوين الحكايات حمايةٌ للتراث الحي، ليس فقط من الضياع، بل كعنصر من الهوية".
كأنها تقول لنا إن الحداثة لا تُكتب من فراغ، بل تُصاغ من خيوط السدو، ونقوش الفخار، وحِرف الأمّهات.
وفي كلمة مُلهمة تحمل عنوانًا مشبّعًا بالمعنى، "إرث حفيدة ملكة سبأ"، وقفت الباحثة اليمنية الدكتورة عميدة شعلان تحكي كمؤرخة، تعرف تراب الأرض وتراث الأمة. وسردت تفاصيل رحلتها مع فرق المسح الأثري، متنقلةً بين أطلال مَعْرِب ورفوف المتاحف في العالم، ترقب آثارًا يمنية متناثرة في الغربة تعرض كتحفٍ، تراها هي شواهد حيّة على حضارةٍ ما زالت تنبض في الوجدان.
قالت بصوت الواثق المندهش في آن: "جئتكم من اليمن بخبرٍ يقين". ثم ابتسمت، وأضافت: "لم أكن يومًا شغوفة بالتاريخ في المدرسة؛ لكن شاءت الأقدار أن أصبح شاهدة على لغاتٍ كانت تُحكى على شفاه الأجداد، ثم أودعت في الصخور والنقوش".
وختمت حديثها بنداء صادق: "نريد لأطفالنا أن يلمسوا التاريخ لا أن يقرؤوه فحسب؛ أن يشعروا أن لهم جذورًا ضاربةً في الأرض، وأن ما تركه الأجداد لم يكن للعرض، بل للعيش والاعتزاز والتوارث. سيعود الزمن، ومعه ستعود القطع التي غادرتنا يومًا، لتروي لنا الحكاية من جديد، كما كتبت أول مرة، وليس كما كُتبت لها في المنافي".
لم تكن قمّة "بالعربي" فعالية موسمية، بل هي إيذانٌ بمشروعٍ ثقافيٍ دائمٍ، أطلقته مؤسسة قطر ليعيد الاعتبار للغة الضاد، ويجعلها أداة إبداع لا ترجمة، ومنصّة أفكار لا شعارات. وليست القمّة سوى إحدى محطات هذا المشروع، حيث التقى المفكرون والفنانون وأصحاب المبادرات، وتبادلوا التجارب بلغةٍ واحدةٍ لا تحتاج ترجمانًا: لغة الهوية.